تـصـادف اليوم الـذكـرى التسعين لـولادة الـزعيم العربي الراحل
جمال عبد الناصر , و الـذي لازال ذكـره حـاضـراً و وجـوده
قـويـاً أكـثـر مـن كـل هـؤلاء الأموات الـذيـن يمشون على الأرض
و يسكنون القصور العربية .
و اليوم أيضاً , يستشهد قـائـد مـن قيادات حماس هو الوزير
سعيد صيام , و الـذي تــُـطـبــّـل اسرائيل و تـزمـّـر و تحتفل
باغـتـيـاله , كـصـورة من صور نـصـرهـا الـذي بـاتـت تستجدي
أي صـورة لـه .
لـلـذيـن يـبـحـثـون عـن المنتصر في هـذه المعركة , و يقولون
كيف للمقاومة أن تـزعـم بأي نصر بعد كـلّ هـذا العدد من الشهداء
و كـل هـذا الـدمـار , أقـول :
أولاً .. هـذه حـرب استقلال و وجـود . و ليست معركة على بـئـر
مـاء أو بـئــر نـفـط , أو مـعـركـة عـلـى السلطة بـيـن أحـزاب
و قـوى تـريـد الإسـتـحـواذ على كراسي الحكم .
و حـروب الحريـّـة و الإستقلال لا تـتـمّ على الطاولات أو في
الـغـرف الـمـكـيـّـفـة , أو بالـتـصـفـيـات الجسدية و الإغـتيالات
لـهـذا الـقـيـاديّ أو ذاك كـي نـزيـحـه عـن الطريق . بـل تـتـم وسط
الـدماء و فـوق الـدمـار و بـيـن الصرخات و الـويلات .
هـكـذا قـال الـتـاريـخ , و هـكـذا تــُخبر الأوطان حـكـاياتها .
حـيـن يـخـرج قـادة الـمـقـاومـة الـمـيـدانـيـيـن فـي غـزّة و يـرفعوا
جميعاً الرايات الـبـيـض و يـسـلـّـمـوا أنـفـسـهـم للصهايـنـة ( وهـذا
لـن يـحـصـل أبـداً , لمن يعرف هـذه المقاومة ) . عـنـدهـا يـمـكن
القول أنّ اسرائيل انتصرت في هـذه المعركة , لا فـي الـحـرب .
فـحـروب الإستقلال , لا تـنـتـهـي بمعركة و لا بـمـائـة معركة ربما .
لـكـن يجب القول أنّ معركة غـزّة هـذه سـتـكـون فـيـصـلاً و ليس
فصلاً , في هـذه القضية العادلة .
اسرائيل تـبـحـث عـن أيّ صورة لـنـصـر , حيث أنها تعلم جيداً
و ( لا يعلم عبـيدها كما يبدو ) أن قتل الأطفال و النساء و الشيوخ
و تـدمير المدن , لا يمكن له أن يصنع نـصـراً , بـل هـو تـرسيخ
لهزيمة نفسية دائمة , لـم تستطع اسرائيل التخلـّص منها أبـداً .
الأمـر الأهـمّ في هـذه المعركة و كلّ المعارك المتشابهة . هـو
( كـسـر الإرادة ) . و اسرائيل من خلال حـرب الإبـادة هـذه
و مـن خلال تـصـاعـد و تـعـاظم هـمـجـيّـتـهـا و جنونها ساعة بعد
ساعة , لـديها هـدف واحـد وهـو كسر إرادة المقاومة لـيـخـرج
دولـة الرئيس المقاوم اسماعيل هنية ورفاقه جميعا ومن كلّ الفصائل
رافعين الراية الـبـيـضـاء . وعـنـدهـا يستطيع الصهاينة شـرب نـخـب
انتصارهم, وأيضاً هـذا مـا تسعى إليه بـعـض "القيادات" العربية
التي لها هـدف ثـانٍ و هـو إفـهـام شعوبها أنّ هـؤلاء المقاومين غير
جديرين بالمؤازرة أو حتى بالتعاطف معهم , فها هم يحاولون
النجاة بأنـفسهم و يـسـتـسـلـمـون . و أكـرّر , و بعـيداً عـن
أي عـاطفـة , و يستطيع أيّ متابع جـيـد لما يجري في هـذا
الشرق أن يعرف أن زمـن رفع الرايات البـيض قـد ولــّـى إلى
الأبـد , و أنّ المعركة الاّن , معركة نصر أو شهادة , معركة
وطـن و قـيـَـم و إرادات , لم يـعـد فيها بالنسبة للمقاومين
مجال لـلـتـأجـيـل , أو الهرب إلى الأمام أو التسليم على أمل
معركة قـادمـة . لأنّ العدو و من معه لـن يسمحوا لنا بالوقوف
على أقدامنا بعد الاّن , هـذا واضـح و جـلـيّ , و أعـود مـرّة
أخرى للإستشهاد " بـكـوبي نيف " في مقاله قبل أيام في
معاريف ( حرب اللا انبعاث ) حيث قال أنّ المعركة بالنسبة
للصهاينة الاّن هي ( إما نحن و إما هـم ) و لم يعد هناك
( نحن و هم ) . و أضيف إلى كلام نيف , أن المعركة بالنسبة
لبعض الأنظمة العربية أيضا أصبحت ( إما نحن و إما وهم )
و المقصود بـ ( هم ) هنا هـو النهج المقاوم من لبنان إلى العراق
إلى فلسطين . هـي حـرب هـذه الأنظمة أيضاً . ضـد شعوبها
و ضد قضاياهم , لتصفية هـذه القضايا نهائيا , و تـدجـيـن
الشعوب إلى الأبـد , و إدخـالـهـم في يـأس أبـديّ .
هـنـاك أمـر مـهـمّ جـداً بالنسبة للشعوب العربية و لـكـلّ شعب
لـديه قضية عادلة يحارب من أجلها و يطمح لتحقيقها . و هـو
نـظـرة هـذا الـشـعـب لـقـادة المقاومة الـذيـن يستمد الشعب
منهم الـعـزيـمـة و قـوة الإيمان بالفكرة و النهج و الأمل الدائم
بالوصول إلى الهدف . و يجب الإنتباه هنا أني أتكلم عـن نـوع
معين من القادة , هـم قـادة المقاومة الميدانيين أو قـادة فـكـر
المقاومة , و مـن هـنـا سنفهم لماذا تـحـتـفـل اسرائيل بـاغتيال
كـل قياديّ جديد في حماس أو حزب الله و تسعى دائما لتصفيتهم .
بـعـد نـكـسـة حـزيـران 67 و لـم أكن قـد ولدت بـعـد إلا أنـي رأيت
في عيون ذاك الجيل وقرأت في كتاباتهم و شهاداتهم صـورة
واضحة للمأساة .
يـومـهـا , كـل الشعب العربي , كـان يعرف و يشعر أنه مهزوم حتى
الـنـخـاع , لـكـن الأمـر اخـتـلـف كـثـيـراً حـيـن ظـهـر عـبـد الناصر
لـيـلـقـي خـطـاب الـتـنـحـّـي , و في الحقيقة , هـو لم يـكـن خـطـاب
تـنـحـّي , بـل كـان إعلانٌ رسـمـيّ لـلـهـزيـمـة , قـائـد و رائـد من
رواد فـكـر المقاومة , اّمـن بـه ملايـين العرب , بل و غير العرب
يـخـرج عـلـى الشاشة ليقول لـهـذا الشعب ( لـقـد هـُزمـتُ و هـُزمتم )
و هـذا أمـر كـارثـيّ على المستوى النفسيّ ولا يمكن احتماله , مهما
كانت الهزيمة واضحة على الأرض . قد يقول قائل الاّن : (و لكنها
الحقيقة , هـل تـريـد أن تـخـدع الناس و تـترك أحمد سعيد يـتـابع
إلقاء بيانات النصر في صوت العرب ) . لا , بالتأكيد لا , فهذا كـان
خـطـأ اّخـر , بـل بـدايـة الخـطـأ ( أتكلم عن هذه الحالة فقط . أيام
النكسة ) .
مـنـذ بـدء التاريخ , كـان المقاتلون في الحروب يسعون لأمـر
أهـمّ , و هـو قـتـل قـائـد الجيش المقابل , كي تــُكـسـر عزيمة
الجيش و يتقهقر . فجيش بلا قـائد , لا يمكن له أن يصمد لساعة
خـصـوصـاً إذا كان لهذا القائد رمزيّة كبيرة و كاريزما طاغية
تجعل منه الـنـبـع الـذي ينهل منه المقاتلون عزيمتهم و صمودهم
و إيمانهم بالغاية أو الهدف .
و عـبـد الناصر كـان ذاك الـرمـز و ذاك المعلـّم , مهما اختلفت
معه في الشأن الداخلي , و لـعـلّ الشاعر الكبير أحمد فؤاد
نجم ضرب لنا المثل هنا . فأنا لا أجد أي غرابة أو مفارقة
في أن يقول ناصر ( نجم سيبقى في السجن طالما أنا حيّ )
ثم بعد وفاته يقول فيه نجم ذاته كلاماً لـم يـقـله في غيره . بـل
لم يـقـله أحـد تعرّض للظلم , في حـقّ ظالمه , و نجم لم يـقـل
ما قاله من بـاب عـاطفة تجاه شخص نـاصـر . بـل كـان نجم
كبيراً جداً لا مـجـرّد شخص عـاطفي , كـان على مستوى الفكرة
و القضية التي جمعته بناصر في مكان ما , والتي مـكـّـنـتـه بسهولة
أن يسمو فوق الجراح و الأمور الشخصية , و يصبح بمستوى
القضية التي اّمن بها هـو و نـاصـر .
نـجـم كـان يــُـخـلــّـد الفكرة في قصيدته , القضية , و لـم يـكـن
يــُـخـلــّد شخص نـاصـر , و هـذا أمـرٌ مهم جـداً أدركه نجم جيداً .
بالرغم من أن ناصر كان رئيس دولة و لم يكن قـائد ميداني في
مقاومة شعبية . لكنه كان رئيس يحمل و يـُبـشـّـر بفكر يتماشى
مع تطلعات الشعب و أحلامه . لـكـن نجم أراد أن يقول للشعب
أنّ الفكرة باقية , و القضية حـيـّـة , و هي أكبر و أعظم مني
و من عـذابـاتي , و مـن نـاصـر الـشـخـص و ظلمه لي .
لـذلك أقول , أنّ خروج ( القائد ) ناصر بما يمـثـّـله , بعد النكسة
ليعلن الهزيمة رسميّاً , كان أمراً كارثيا للشعب العربي , و أجزم أن
ما جعل الشعب ينزل إلى الشوارع كالـتـائه يومها , هـو عـدم قدرته
على احتمال الـتـصـديق رسمياً على الهزيمة . الشعب لا يحتمل
أن يــؤكــّـد له الـقـائـد أنه مهزوم , و لا يـقـبـل أن يستقيل من
( الفكرة ) . مهما بلغ حجم الهزيمة على الأرض .
لكنْ الاّن , نـحـن أمام مقاومة شعبية , وفي الميدان عشرات القادة
لا قـائد واحـد , والمقاومة الشعبية في حروب الإستقلال , تــُنـتـج
قـائـداً جديدا كـلّ سـاعـة , و حـيـن يسقط قـائـد , يـحـلّ مـحـلـّه
قـائـد أكثر عزيمة و أكثر إصراراً , و هـذا هـو الفرق بين قـادة
المقاومة الشعبية الميدانية , و بين القادة السياسيين الرسميين
مهما بلغ إصرارهم و إيمانهم بالمقاومة , فـإن ذهـبـوا , قـد
يـحـلّ محلهم سياسي جديد , مـسـتـعـد لـبـيـع نفسه في سبيل
كرسيّ يجلس عليه في قـصـر مـنـعـزل و محروس جيداً .
و المقاومة الاّن في غــزّة , تـخـوض حـرب من نوع اّخر, حـرب
الإرادات , حـرب الـشـعـب الـذي يـتـحـوّل كـلـّـه إلى قـادة
فالـقـضـيـة هـي التي تـقـاتـل الاّن في غـزّة . و غـزّة إحـدى
اّخـر مـعـاقـل هـذه القضية و غير مسموح أبـداً أن تـرفـع
الراية البيضاء , هـذا منطق المقاومين و لستٌ أنــا أو
غيري من يملك الحق بأن يقول ما هو مسموح و ما هو
غير مسموح حـيـن يــزأر الـدم , بـل أصـحـاب الـدم هـم
أصحاب الـكـلـمـة الـعـلـيـا .
سعيد صيام اليوم . مـا هـو إلاّ شهيد فلسطيني اّخـر , قـائـد
مثله مثل أي طفل فلسطيني رفض الخروج من غـزّة , و في
قـتـلـه حياة لقائد جديد , و ليس سقوط لـفـكـرة . و ليس في
قـتـلـه أيّ نـصـر , بـل إنّ في شهادته تـكـريـم لـه و لأخـوتـه
و أبـنـائه و رفـاقـه , و نـبـراس لـكـل ّ مـؤمـن بـهـذه القضية
و بكل قضية عـادلـة .
المقاومة الشعبية في حروب التحرير و الإستقلال , ليست نظامٌ
نقضي عليه و نـُـحـلّ مكانه نظام اّخـر .
إنــّـه الشعب , و حـيـن يستسلم كلّ هـذا الشعب , تـنـتـصـر
اسـرائـيـل , و مـا دام بـقـي هـنـاك مـقـاوم واحـد , سـيـلـد
مـن ظـهـره مـقـاومـيـن كـثـر . و هـذه لـيـسـت مـعـركـة
بـيـن مـقـاومين و بين جيش محتلّ , بـل حرب بـيـن إرادتين
و علينا أن نـقـرأ التاريخ القريب , و الحاضر الماثـل أمامنا
لـنـتـعـرّف على إرادة ما يسمى بشعب اسرائيل . و ماذا
يستطيع هـذا الشعب أن يحتمل , و أن نـعـدّ شهدائنا مـنـذ
ثلاثينات القرن الماضي على يـد عصابات الهاغانا و شتيرن
حتى اليوم هـذه الإبـادة و الهمجية في غـزّة , لنعرف جيداً
أن هـذا الشعب العربي في فلسطين , لا تـهـزمـه دمـائـه أبداً .
إنّ شعب فلسطين الاّن , يـقول كلمته بالـدمّ و بالـبـنـدقـيـّـة
و عـلـيـنـا أن نـسـتـمـع إلـيـه . عـلـيـنـا أن نـصـغـي جيداً
لـنـعـرف , قيمة الحياة و معنى الحياة , و حين نتكلم علينا أن
نـقـول كلمة حـق , وأن نقوم بفعل حـقّ , أو لـنـخـرس جميعاً .
أهـل غـزّة , يـنـشـرون اّخـر وصـايـا الله على الأرض .
و الصهاينة من بني اسرائيل عـادوا لـعـبـادة العجل
مـن جـديـد , فـهـذا دأبـهـم , لـكـن ْ هـذه الـمـرّة , انضمّ
إليهم مـنـافـقـون جـدد , انـقـلـبـوا عـلـى مـحـمـّد و يـسـوع
و هـا هـم يسجدون لـلـعـجـل جـنـبـاً إلى جنب . و بـعـد قليل
سيطلبون من أطفال غـزّة . أن يجلبوا لهم الـمـنّ و السلوى
كـي يـعـتـرفـوا بـدمـائـهـم .
جمال عبد الناصر , و الـذي لازال ذكـره حـاضـراً و وجـوده
قـويـاً أكـثـر مـن كـل هـؤلاء الأموات الـذيـن يمشون على الأرض
و يسكنون القصور العربية .
و اليوم أيضاً , يستشهد قـائـد مـن قيادات حماس هو الوزير
سعيد صيام , و الـذي تــُـطـبــّـل اسرائيل و تـزمـّـر و تحتفل
باغـتـيـاله , كـصـورة من صور نـصـرهـا الـذي بـاتـت تستجدي
أي صـورة لـه .
لـلـذيـن يـبـحـثـون عـن المنتصر في هـذه المعركة , و يقولون
كيف للمقاومة أن تـزعـم بأي نصر بعد كـلّ هـذا العدد من الشهداء
و كـل هـذا الـدمـار , أقـول :
أولاً .. هـذه حـرب استقلال و وجـود . و ليست معركة على بـئـر
مـاء أو بـئــر نـفـط , أو مـعـركـة عـلـى السلطة بـيـن أحـزاب
و قـوى تـريـد الإسـتـحـواذ على كراسي الحكم .
و حـروب الحريـّـة و الإستقلال لا تـتـمّ على الطاولات أو في
الـغـرف الـمـكـيـّـفـة , أو بالـتـصـفـيـات الجسدية و الإغـتيالات
لـهـذا الـقـيـاديّ أو ذاك كـي نـزيـحـه عـن الطريق . بـل تـتـم وسط
الـدماء و فـوق الـدمـار و بـيـن الصرخات و الـويلات .
هـكـذا قـال الـتـاريـخ , و هـكـذا تــُخبر الأوطان حـكـاياتها .
حـيـن يـخـرج قـادة الـمـقـاومـة الـمـيـدانـيـيـن فـي غـزّة و يـرفعوا
جميعاً الرايات الـبـيـض و يـسـلـّـمـوا أنـفـسـهـم للصهايـنـة ( وهـذا
لـن يـحـصـل أبـداً , لمن يعرف هـذه المقاومة ) . عـنـدهـا يـمـكن
القول أنّ اسرائيل انتصرت في هـذه المعركة , لا فـي الـحـرب .
فـحـروب الإستقلال , لا تـنـتـهـي بمعركة و لا بـمـائـة معركة ربما .
لـكـن يجب القول أنّ معركة غـزّة هـذه سـتـكـون فـيـصـلاً و ليس
فصلاً , في هـذه القضية العادلة .
اسرائيل تـبـحـث عـن أيّ صورة لـنـصـر , حيث أنها تعلم جيداً
و ( لا يعلم عبـيدها كما يبدو ) أن قتل الأطفال و النساء و الشيوخ
و تـدمير المدن , لا يمكن له أن يصنع نـصـراً , بـل هـو تـرسيخ
لهزيمة نفسية دائمة , لـم تستطع اسرائيل التخلـّص منها أبـداً .
الأمـر الأهـمّ في هـذه المعركة و كلّ المعارك المتشابهة . هـو
( كـسـر الإرادة ) . و اسرائيل من خلال حـرب الإبـادة هـذه
و مـن خلال تـصـاعـد و تـعـاظم هـمـجـيّـتـهـا و جنونها ساعة بعد
ساعة , لـديها هـدف واحـد وهـو كسر إرادة المقاومة لـيـخـرج
دولـة الرئيس المقاوم اسماعيل هنية ورفاقه جميعا ومن كلّ الفصائل
رافعين الراية الـبـيـضـاء . وعـنـدهـا يستطيع الصهاينة شـرب نـخـب
انتصارهم, وأيضاً هـذا مـا تسعى إليه بـعـض "القيادات" العربية
التي لها هـدف ثـانٍ و هـو إفـهـام شعوبها أنّ هـؤلاء المقاومين غير
جديرين بالمؤازرة أو حتى بالتعاطف معهم , فها هم يحاولون
النجاة بأنـفسهم و يـسـتـسـلـمـون . و أكـرّر , و بعـيداً عـن
أي عـاطفـة , و يستطيع أيّ متابع جـيـد لما يجري في هـذا
الشرق أن يعرف أن زمـن رفع الرايات البـيض قـد ولــّـى إلى
الأبـد , و أنّ المعركة الاّن , معركة نصر أو شهادة , معركة
وطـن و قـيـَـم و إرادات , لم يـعـد فيها بالنسبة للمقاومين
مجال لـلـتـأجـيـل , أو الهرب إلى الأمام أو التسليم على أمل
معركة قـادمـة . لأنّ العدو و من معه لـن يسمحوا لنا بالوقوف
على أقدامنا بعد الاّن , هـذا واضـح و جـلـيّ , و أعـود مـرّة
أخرى للإستشهاد " بـكـوبي نيف " في مقاله قبل أيام في
معاريف ( حرب اللا انبعاث ) حيث قال أنّ المعركة بالنسبة
للصهاينة الاّن هي ( إما نحن و إما هـم ) و لم يعد هناك
( نحن و هم ) . و أضيف إلى كلام نيف , أن المعركة بالنسبة
لبعض الأنظمة العربية أيضا أصبحت ( إما نحن و إما وهم )
و المقصود بـ ( هم ) هنا هـو النهج المقاوم من لبنان إلى العراق
إلى فلسطين . هـي حـرب هـذه الأنظمة أيضاً . ضـد شعوبها
و ضد قضاياهم , لتصفية هـذه القضايا نهائيا , و تـدجـيـن
الشعوب إلى الأبـد , و إدخـالـهـم في يـأس أبـديّ .
هـنـاك أمـر مـهـمّ جـداً بالنسبة للشعوب العربية و لـكـلّ شعب
لـديه قضية عادلة يحارب من أجلها و يطمح لتحقيقها . و هـو
نـظـرة هـذا الـشـعـب لـقـادة المقاومة الـذيـن يستمد الشعب
منهم الـعـزيـمـة و قـوة الإيمان بالفكرة و النهج و الأمل الدائم
بالوصول إلى الهدف . و يجب الإنتباه هنا أني أتكلم عـن نـوع
معين من القادة , هـم قـادة المقاومة الميدانيين أو قـادة فـكـر
المقاومة , و مـن هـنـا سنفهم لماذا تـحـتـفـل اسرائيل بـاغتيال
كـل قياديّ جديد في حماس أو حزب الله و تسعى دائما لتصفيتهم .
بـعـد نـكـسـة حـزيـران 67 و لـم أكن قـد ولدت بـعـد إلا أنـي رأيت
في عيون ذاك الجيل وقرأت في كتاباتهم و شهاداتهم صـورة
واضحة للمأساة .
يـومـهـا , كـل الشعب العربي , كـان يعرف و يشعر أنه مهزوم حتى
الـنـخـاع , لـكـن الأمـر اخـتـلـف كـثـيـراً حـيـن ظـهـر عـبـد الناصر
لـيـلـقـي خـطـاب الـتـنـحـّـي , و في الحقيقة , هـو لم يـكـن خـطـاب
تـنـحـّي , بـل كـان إعلانٌ رسـمـيّ لـلـهـزيـمـة , قـائـد و رائـد من
رواد فـكـر المقاومة , اّمـن بـه ملايـين العرب , بل و غير العرب
يـخـرج عـلـى الشاشة ليقول لـهـذا الشعب ( لـقـد هـُزمـتُ و هـُزمتم )
و هـذا أمـر كـارثـيّ على المستوى النفسيّ ولا يمكن احتماله , مهما
كانت الهزيمة واضحة على الأرض . قد يقول قائل الاّن : (و لكنها
الحقيقة , هـل تـريـد أن تـخـدع الناس و تـترك أحمد سعيد يـتـابع
إلقاء بيانات النصر في صوت العرب ) . لا , بالتأكيد لا , فهذا كـان
خـطـأ اّخـر , بـل بـدايـة الخـطـأ ( أتكلم عن هذه الحالة فقط . أيام
النكسة ) .
مـنـذ بـدء التاريخ , كـان المقاتلون في الحروب يسعون لأمـر
أهـمّ , و هـو قـتـل قـائـد الجيش المقابل , كي تــُكـسـر عزيمة
الجيش و يتقهقر . فجيش بلا قـائد , لا يمكن له أن يصمد لساعة
خـصـوصـاً إذا كان لهذا القائد رمزيّة كبيرة و كاريزما طاغية
تجعل منه الـنـبـع الـذي ينهل منه المقاتلون عزيمتهم و صمودهم
و إيمانهم بالغاية أو الهدف .
و عـبـد الناصر كـان ذاك الـرمـز و ذاك المعلـّم , مهما اختلفت
معه في الشأن الداخلي , و لـعـلّ الشاعر الكبير أحمد فؤاد
نجم ضرب لنا المثل هنا . فأنا لا أجد أي غرابة أو مفارقة
في أن يقول ناصر ( نجم سيبقى في السجن طالما أنا حيّ )
ثم بعد وفاته يقول فيه نجم ذاته كلاماً لـم يـقـله في غيره . بـل
لم يـقـله أحـد تعرّض للظلم , في حـقّ ظالمه , و نجم لم يـقـل
ما قاله من بـاب عـاطفة تجاه شخص نـاصـر . بـل كـان نجم
كبيراً جداً لا مـجـرّد شخص عـاطفي , كـان على مستوى الفكرة
و القضية التي جمعته بناصر في مكان ما , والتي مـكـّـنـتـه بسهولة
أن يسمو فوق الجراح و الأمور الشخصية , و يصبح بمستوى
القضية التي اّمن بها هـو و نـاصـر .
نـجـم كـان يــُـخـلــّـد الفكرة في قصيدته , القضية , و لـم يـكـن
يــُـخـلــّد شخص نـاصـر , و هـذا أمـرٌ مهم جـداً أدركه نجم جيداً .
بالرغم من أن ناصر كان رئيس دولة و لم يكن قـائد ميداني في
مقاومة شعبية . لكنه كان رئيس يحمل و يـُبـشـّـر بفكر يتماشى
مع تطلعات الشعب و أحلامه . لـكـن نجم أراد أن يقول للشعب
أنّ الفكرة باقية , و القضية حـيـّـة , و هي أكبر و أعظم مني
و من عـذابـاتي , و مـن نـاصـر الـشـخـص و ظلمه لي .
لـذلك أقول , أنّ خروج ( القائد ) ناصر بما يمـثـّـله , بعد النكسة
ليعلن الهزيمة رسميّاً , كان أمراً كارثيا للشعب العربي , و أجزم أن
ما جعل الشعب ينزل إلى الشوارع كالـتـائه يومها , هـو عـدم قدرته
على احتمال الـتـصـديق رسمياً على الهزيمة . الشعب لا يحتمل
أن يــؤكــّـد له الـقـائـد أنه مهزوم , و لا يـقـبـل أن يستقيل من
( الفكرة ) . مهما بلغ حجم الهزيمة على الأرض .
لكنْ الاّن , نـحـن أمام مقاومة شعبية , وفي الميدان عشرات القادة
لا قـائد واحـد , والمقاومة الشعبية في حروب الإستقلال , تــُنـتـج
قـائـداً جديدا كـلّ سـاعـة , و حـيـن يسقط قـائـد , يـحـلّ مـحـلـّه
قـائـد أكثر عزيمة و أكثر إصراراً , و هـذا هـو الفرق بين قـادة
المقاومة الشعبية الميدانية , و بين القادة السياسيين الرسميين
مهما بلغ إصرارهم و إيمانهم بالمقاومة , فـإن ذهـبـوا , قـد
يـحـلّ محلهم سياسي جديد , مـسـتـعـد لـبـيـع نفسه في سبيل
كرسيّ يجلس عليه في قـصـر مـنـعـزل و محروس جيداً .
و المقاومة الاّن في غــزّة , تـخـوض حـرب من نوع اّخر, حـرب
الإرادات , حـرب الـشـعـب الـذي يـتـحـوّل كـلـّـه إلى قـادة
فالـقـضـيـة هـي التي تـقـاتـل الاّن في غـزّة . و غـزّة إحـدى
اّخـر مـعـاقـل هـذه القضية و غير مسموح أبـداً أن تـرفـع
الراية البيضاء , هـذا منطق المقاومين و لستٌ أنــا أو
غيري من يملك الحق بأن يقول ما هو مسموح و ما هو
غير مسموح حـيـن يــزأر الـدم , بـل أصـحـاب الـدم هـم
أصحاب الـكـلـمـة الـعـلـيـا .
سعيد صيام اليوم . مـا هـو إلاّ شهيد فلسطيني اّخـر , قـائـد
مثله مثل أي طفل فلسطيني رفض الخروج من غـزّة , و في
قـتـلـه حياة لقائد جديد , و ليس سقوط لـفـكـرة . و ليس في
قـتـلـه أيّ نـصـر , بـل إنّ في شهادته تـكـريـم لـه و لأخـوتـه
و أبـنـائه و رفـاقـه , و نـبـراس لـكـل ّ مـؤمـن بـهـذه القضية
و بكل قضية عـادلـة .
المقاومة الشعبية في حروب التحرير و الإستقلال , ليست نظامٌ
نقضي عليه و نـُـحـلّ مكانه نظام اّخـر .
إنــّـه الشعب , و حـيـن يستسلم كلّ هـذا الشعب , تـنـتـصـر
اسـرائـيـل , و مـا دام بـقـي هـنـاك مـقـاوم واحـد , سـيـلـد
مـن ظـهـره مـقـاومـيـن كـثـر . و هـذه لـيـسـت مـعـركـة
بـيـن مـقـاومين و بين جيش محتلّ , بـل حرب بـيـن إرادتين
و علينا أن نـقـرأ التاريخ القريب , و الحاضر الماثـل أمامنا
لـنـتـعـرّف على إرادة ما يسمى بشعب اسرائيل . و ماذا
يستطيع هـذا الشعب أن يحتمل , و أن نـعـدّ شهدائنا مـنـذ
ثلاثينات القرن الماضي على يـد عصابات الهاغانا و شتيرن
حتى اليوم هـذه الإبـادة و الهمجية في غـزّة , لنعرف جيداً
أن هـذا الشعب العربي في فلسطين , لا تـهـزمـه دمـائـه أبداً .
إنّ شعب فلسطين الاّن , يـقول كلمته بالـدمّ و بالـبـنـدقـيـّـة
و عـلـيـنـا أن نـسـتـمـع إلـيـه . عـلـيـنـا أن نـصـغـي جيداً
لـنـعـرف , قيمة الحياة و معنى الحياة , و حين نتكلم علينا أن
نـقـول كلمة حـق , وأن نقوم بفعل حـقّ , أو لـنـخـرس جميعاً .
أهـل غـزّة , يـنـشـرون اّخـر وصـايـا الله على الأرض .
و الصهاينة من بني اسرائيل عـادوا لـعـبـادة العجل
مـن جـديـد , فـهـذا دأبـهـم , لـكـن ْ هـذه الـمـرّة , انضمّ
إليهم مـنـافـقـون جـدد , انـقـلـبـوا عـلـى مـحـمـّد و يـسـوع
و هـا هـم يسجدون لـلـعـجـل جـنـبـاً إلى جنب . و بـعـد قليل
سيطلبون من أطفال غـزّة . أن يجلبوا لهم الـمـنّ و السلوى
كـي يـعـتـرفـوا بـدمـائـهـم .
جـو غـانـم










