عقلي المتجمد الشمالي

نريد أن نـحـيا قليلآ .. لا لشيء ... فقط لنحترم القيامة بعد هذا الموت ..

مـعـركـة كـسـر الإرادة

 
 
تـصـادف اليوم الـذكـرى التسعين لـولادة الـزعيم العربي الراحل

جمال عبد الناصر , و الـذي لازال ذكـره حـاضـراً و وجـوده

قـويـاً أكـثـر مـن كـل هـؤلاء الأموات الـذيـن يمشون على الأرض

و يسكنون القصور العربية .

و اليوم أيضاً , يستشهد قـائـد مـن قيادات حماس هو الوزير

سعيد صيام , و الـذي تــُـطـبــّـل اسرائيل و تـزمـّـر و تحتفل

باغـتـيـاله , كـصـورة من صور نـصـرهـا الـذي بـاتـت تستجدي

أي صـورة لـه .

لـلـذيـن يـبـحـثـون عـن المنتصر في هـذه المعركة , و يقولون

كيف للمقاومة أن تـزعـم بأي نصر بعد كـلّ هـذا العدد من الشهداء

و كـل هـذا الـدمـار , أقـول :

أولاً .. هـذه حـرب استقلال و وجـود . و ليست معركة على بـئـر

مـاء أو بـئــر نـفـط , أو مـعـركـة عـلـى السلطة بـيـن أحـزاب

و قـوى تـريـد الإسـتـحـواذ على كراسي الحكم .

و حـروب الحريـّـة و الإستقلال لا تـتـمّ على الطاولات أو في

الـغـرف الـمـكـيـّـفـة , أو بالـتـصـفـيـات الجسدية و الإغـتيالات

لـهـذا الـقـيـاديّ أو ذاك كـي نـزيـحـه عـن الطريق . بـل تـتـم وسط

الـدماء و فـوق الـدمـار و بـيـن الصرخات و الـويلات .

هـكـذا قـال الـتـاريـخ , و هـكـذا تــُخبر الأوطان حـكـاياتها .

حـيـن يـخـرج قـادة الـمـقـاومـة الـمـيـدانـيـيـن فـي غـزّة و يـرفعوا

جميعاً الرايات الـبـيـض و يـسـلـّـمـوا أنـفـسـهـم للصهايـنـة ( وهـذا

لـن يـحـصـل أبـداً , لمن يعرف هـذه المقاومة ) . عـنـدهـا يـمـكن

القول أنّ اسرائيل انتصرت في هـذه المعركة , لا فـي الـحـرب .

فـحـروب الإستقلال , لا تـنـتـهـي بمعركة و لا بـمـائـة معركة ربما .

لـكـن يجب القول أنّ معركة غـزّة هـذه سـتـكـون فـيـصـلاً و ليس

فصلاً , في هـذه القضية العادلة .

اسرائيل تـبـحـث عـن أيّ صورة لـنـصـر , حيث أنها تعلم جيداً

و ( لا يعلم عبـيدها كما يبدو ) أن قتل الأطفال و النساء و الشيوخ

و تـدمير المدن , لا يمكن له أن يصنع نـصـراً , بـل هـو تـرسيخ

لهزيمة نفسية دائمة , لـم تستطع اسرائيل التخلـّص منها أبـداً .

الأمـر الأهـمّ في هـذه المعركة و كلّ المعارك المتشابهة . هـو

( كـسـر الإرادة ) . و اسرائيل من خلال حـرب الإبـادة هـذه

و مـن خلال تـصـاعـد و تـعـاظم هـمـجـيّـتـهـا و جنونها ساعة بعد

ساعة , لـديها هـدف واحـد وهـو كسر إرادة المقاومة لـيـخـرج

دولـة الرئيس المقاوم اسماعيل هنية ورفاقه جميعا ومن كلّ الفصائل

رافعين الراية الـبـيـضـاء . وعـنـدهـا يستطيع الصهاينة شـرب نـخـب

انتصارهم, وأيضاً هـذا مـا تسعى إليه بـعـض "القيادات" العربية

التي لها هـدف ثـانٍ و هـو إفـهـام شعوبها أنّ هـؤلاء المقاومين غير

جديرين بالمؤازرة أو حتى بالتعاطف معهم , فها هم يحاولون

النجاة بأنـفسهم و يـسـتـسـلـمـون . و أكـرّر , و بعـيداً عـن

أي عـاطفـة , و يستطيع أيّ متابع جـيـد لما يجري في هـذا

الشرق أن يعرف أن زمـن رفع الرايات البـيض قـد ولــّـى إلى

الأبـد , و أنّ المعركة الاّن , معركة نصر أو شهادة , معركة

وطـن و قـيـَـم و إرادات , لم يـعـد فيها بالنسبة للمقاومين

مجال لـلـتـأجـيـل , أو الهرب إلى الأمام أو التسليم على أمل

معركة قـادمـة . لأنّ العدو و من معه لـن يسمحوا لنا بالوقوف

على أقدامنا بعد الاّن , هـذا واضـح و جـلـيّ , و أعـود مـرّة

أخرى للإستشهاد " بـكـوبي نيف " في مقاله قبل أيام في

معاريف ( حرب اللا انبعاث ) حيث قال أنّ المعركة بالنسبة

للصهاينة الاّن هي ( إما نحن و إما هـم ) و لم يعد هناك

( نحن و هم ) . و أضيف إلى كلام نيف , أن المعركة بالنسبة

لبعض الأنظمة العربية أيضا أصبحت ( إما نحن و إما وهم )

و المقصود بـ ( هم ) هنا هـو النهج المقاوم من لبنان إلى العراق

إلى فلسطين . هـي حـرب هـذه الأنظمة أيضاً . ضـد شعوبها

و ضد قضاياهم , لتصفية هـذه القضايا نهائيا , و تـدجـيـن

الشعوب إلى الأبـد , و إدخـالـهـم في يـأس أبـديّ .

هـنـاك أمـر مـهـمّ جـداً بالنسبة للشعوب العربية و لـكـلّ شعب

لـديه قضية عادلة يحارب من أجلها و يطمح لتحقيقها . و هـو

نـظـرة هـذا الـشـعـب لـقـادة المقاومة الـذيـن يستمد الشعب

منهم الـعـزيـمـة و قـوة الإيمان بالفكرة و النهج و الأمل الدائم

بالوصول إلى الهدف . و يجب الإنتباه هنا أني أتكلم عـن نـوع

معين من القادة , هـم قـادة المقاومة الميدانيين أو قـادة فـكـر

المقاومة , و مـن هـنـا سنفهم لماذا تـحـتـفـل اسرائيل بـاغتيال

كـل قياديّ جديد في حماس أو حزب الله و تسعى دائما لتصفيتهم .

بـعـد نـكـسـة حـزيـران 67 و لـم أكن قـد ولدت بـعـد إلا أنـي رأيت

في عيون ذاك الجيل وقرأت في كتاباتهم و شهاداتهم صـورة

واضحة للمأساة .

يـومـهـا , كـل الشعب العربي , كـان يعرف و يشعر أنه مهزوم حتى

الـنـخـاع , لـكـن الأمـر اخـتـلـف كـثـيـراً حـيـن ظـهـر عـبـد الناصر

لـيـلـقـي خـطـاب الـتـنـحـّـي , و في الحقيقة , هـو لم يـكـن خـطـاب

تـنـحـّي , بـل كـان إعلانٌ رسـمـيّ لـلـهـزيـمـة , قـائـد و رائـد من

رواد فـكـر المقاومة , اّمـن بـه ملايـين العرب , بل و غير العرب

يـخـرج عـلـى الشاشة ليقول لـهـذا الشعب ( لـقـد هـُزمـتُ و هـُزمتم )

و هـذا أمـر كـارثـيّ على المستوى النفسيّ ولا يمكن احتماله , مهما

كانت الهزيمة واضحة على الأرض . قد يقول قائل الاّن : (و لكنها

الحقيقة , هـل تـريـد أن تـخـدع الناس و تـترك أحمد سعيد يـتـابع

إلقاء بيانات النصر في صوت العرب ) . لا , بالتأكيد لا , فهذا كـان

خـطـأ اّخـر , بـل بـدايـة الخـطـأ ( أتكلم عن هذه الحالة فقط . أيام

النكسة ) .

مـنـذ بـدء التاريخ , كـان المقاتلون في الحروب يسعون لأمـر

أهـمّ , و هـو قـتـل قـائـد الجيش المقابل , كي تــُكـسـر عزيمة

الجيش و يتقهقر . فجيش بلا قـائد , لا يمكن له أن يصمد لساعة

خـصـوصـاً إذا كان لهذا القائد رمزيّة كبيرة و كاريزما طاغية

تجعل منه الـنـبـع الـذي ينهل منه المقاتلون عزيمتهم و صمودهم

و إيمانهم بالغاية أو الهدف .

و عـبـد الناصر كـان ذاك الـرمـز و ذاك المعلـّم , مهما اختلفت

معه في الشأن الداخلي , و لـعـلّ الشاعر الكبير أحمد فؤاد

نجم ضرب لنا المثل هنا . فأنا لا أجد أي غرابة أو مفارقة

في أن يقول ناصر ( نجم سيبقى في السجن طالما أنا حيّ )

ثم بعد وفاته يقول فيه نجم ذاته
كلاماً لـم يـقـله في غيره . بـل

لم يـقـله أحـد تعرّض للظلم , في حـقّ ظالمه , و نجم لم يـقـل

ما قاله من بـاب عـاطفة تجاه شخص نـاصـر . بـل كـان نجم

كبيراً جداً لا مـجـرّد شخص عـاطفي , كـان على مستوى الفكرة

و القضية التي جمعته بناصر في مكان ما , والتي مـكـّـنـتـه بسهولة

أن يسمو فوق الجراح و الأمور الشخصية , و يصبح بمستوى

القضية التي اّمن بها هـو و نـاصـر .

نـجـم كـان يــُـخـلــّـد الفكرة في قصيدته , القضية , و لـم يـكـن

يــُـخـلــّد شخص نـاصـر , و هـذا أمـرٌ مهم جـداً أدركه نجم جيداً .

بالرغم من أن ناصر كان رئيس دولة و لم يكن قـائد ميداني في

مقاومة شعبية . لكنه كان رئيس يحمل و يـُبـشـّـر بفكر يتماشى

مع تطلعات الشعب و أحلامه . لـكـن نجم أراد أن يقول للشعب

أنّ الفكرة باقية , و القضية حـيـّـة , و هي أكبر و أعظم مني

و من عـذابـاتي , و مـن نـاصـر الـشـخـص و ظلمه لي .

لـذلك أقول , أنّ خروج ( القائد ) ناصر بما يمـثـّـله , بعد النكسة

ليعلن الهزيمة رسميّاً , كان أمراً كارثيا للشعب العربي , و أجزم أن

ما جعل الشعب ينزل إلى الشوارع كالـتـائه يومها , هـو عـدم قدرته

على احتمال الـتـصـديق رسمياً على الهزيمة . الشعب لا يحتمل

أن يــؤكــّـد له الـقـائـد أنه مهزوم , و لا يـقـبـل أن يستقيل من

( الفكرة ) . مهما بلغ حجم الهزيمة على الأرض .

لكنْ الاّن , نـحـن أمام مقاومة شعبية , وفي الميدان عشرات القادة

لا قـائد واحـد , والمقاومة الشعبية في حروب الإستقلال , تــُنـتـج

قـائـداً جديدا كـلّ سـاعـة , و حـيـن يسقط قـائـد , يـحـلّ مـحـلـّه

قـائـد أكثر عزيمة و أكثر إصراراً , و هـذا هـو الفرق بين قـادة

المقاومة الشعبية الميدانية , و بين القادة السياسيين الرسميين

مهما بلغ إصرارهم و إيمانهم بالمقاومة , فـإن ذهـبـوا , قـد

يـحـلّ محلهم سياسي جديد , مـسـتـعـد لـبـيـع نفسه في سبيل

كرسيّ يجلس عليه في قـصـر مـنـعـزل و محروس جيداً .

و المقاومة الاّن في غــزّة , تـخـوض حـرب من نوع اّخر, حـرب

الإرادات , حـرب الـشـعـب الـذي يـتـحـوّل كـلـّـه إلى قـادة

فالـقـضـيـة هـي التي تـقـاتـل الاّن في غـزّة . و غـزّة إحـدى

اّخـر مـعـاقـل هـذه القضية و غير مسموح أبـداً أن تـرفـع

الراية البيضاء , هـذا منطق المقاومين و لستٌ أنــا أو

غيري من يملك الحق بأن يقول ما هو مسموح و ما هو

غير مسموح حـيـن يــزأر الـدم , بـل أصـحـاب الـدم هـم

أصحاب الـكـلـمـة الـعـلـيـا .

سعيد صيام اليوم . مـا هـو إلاّ شهيد فلسطيني اّخـر , قـائـد

مثله مثل أي طفل فلسطيني رفض الخروج من غـزّة , و في

قـتـلـه حياة لقائد جديد , و ليس سقوط لـفـكـرة . و ليس في

قـتـلـه أيّ نـصـر , بـل إنّ في شهادته تـكـريـم لـه و لأخـوتـه

و أبـنـائه و رفـاقـه , و نـبـراس لـكـل ّ مـؤمـن بـهـذه القضية

و بكل قضية عـادلـة .

المقاومة الشعبية في حروب التحرير و الإستقلال , ليست نظامٌ

نقضي عليه و نـُـحـلّ مكانه نظام اّخـر .

إنــّـه الشعب , و حـيـن يستسلم كلّ هـذا الشعب , تـنـتـصـر

اسـرائـيـل , و مـا دام بـقـي هـنـاك مـقـاوم واحـد , سـيـلـد

مـن ظـهـره مـقـاومـيـن كـثـر . و هـذه لـيـسـت مـعـركـة

بـيـن مـقـاومين و بين جيش محتلّ , بـل حرب بـيـن إرادتين

و علينا أن نـقـرأ التاريخ القريب , و الحاضر الماثـل أمامنا

لـنـتـعـرّف على إرادة ما يسمى بشعب اسرائيل . و ماذا

يستطيع هـذا الشعب أن يحتمل , و أن نـعـدّ شهدائنا مـنـذ

ثلاثينات القرن الماضي على يـد عصابات الهاغانا و شتيرن

حتى اليوم هـذه الإبـادة و الهمجية في غـزّة , لنعرف جيداً

أن هـذا الشعب العربي في فلسطين , لا تـهـزمـه دمـائـه أبداً .

إنّ شعب فلسطين الاّن , يـقول كلمته بالـدمّ و بالـبـنـدقـيـّـة

و عـلـيـنـا أن نـسـتـمـع إلـيـه . عـلـيـنـا أن نـصـغـي جيداً

لـنـعـرف , قيمة الحياة و معنى الحياة , و حين نتكلم علينا أن

نـقـول كلمة حـق , وأن نقوم بفعل حـقّ , أو لـنـخـرس جميعاً .

أهـل غـزّة , يـنـشـرون اّخـر وصـايـا الله على الأرض .

و الصهاينة من بني اسرائيل عـادوا لـعـبـادة العجل

مـن جـديـد , فـهـذا دأبـهـم , لـكـن ْ هـذه الـمـرّة , انضمّ

إليهم مـنـافـقـون جـدد , انـقـلـبـوا عـلـى مـحـمـّد و يـسـوع

و هـا هـم يسجدون لـلـعـجـل جـنـبـاً إلى جنب . و بـعـد قليل

سيطلبون من أطفال غـزّة . أن يجلبوا لهم الـمـنّ و السلوى

كـي يـعـتـرفـوا بـدمـائـهـم .



جـو غـانـم