أحـيـانـاً أفـكـّـر . كـيـف كـان سـيـبـدو هـذا الـشـرق عـامـة
و لـبـنـان خـاصـة .. لـو أنّ " الـرحـابـنـة " لـم يـأتــوا إلـى
هـذه الـدنـيـا ؟ .... أشـعـر بـالـفـزع مـن الـفـكـرة .
لـم أسـتـطـع أبـداً و مـنـذ صـغـري أن أنـظـر لـلـرحـابـنـة
كـأشـخـاص مـبـدعـيـن و لا حـتـى مـبـدعـيـن اسـتـثـنـائـيـيـن .
الأخـويـن رحـبـانـي و فـيـروز .. أنـظـر إلـيـهـم . كـالـنـاظـر
إلـى خـريـطـة وطـن .. إنـهـم وطـن حـقـيـقـي . . وطـن حـرّ
مـسـتـقـلّ .
فـي السـتـيـنـيـّات قـيـل لـديـغـول : لـن تــنــتــهـي الـمـظـاهـرات
سـوى بـاعـتـقـال " سـارتـر " فـهـو وراء كـل مـا يـجـري ..
أجـاب ديـغـول : ( سـارتـر هـو فـرنـسـا .. هـل تـريـدونـنـي
أن أسـجـن فـرنـسـا ؟ ) .. و ديـغـول لـم يـبـالـغ .. كـان يـعـرف
قـدر الـرجـل جـيـداً .
هـكـذا أرى الـرحـابـنـة .. وطـن قـائـم .. لا حـدود لـه ..و لا حـدود
لـجـمـالـه و عـطـائـه .
لـقـد صـنـع الـرحـابـنـة لـبـنـانـاً .. لـبـنـان لـهـم و لـنـا جـمـيـعـاً .
و لـكـل الـعـرب الـذيـن أصـبـح لـبـنـان وطـنـاً فـي قـلـوبـهـم .
و لـم يـسـتـطـع الـســاســة مـحـو هـذا الـ ( لـبـنـان ) مـن
فـكـر الـنـاس و قـلـوبـهـم .. مـهـمـا فـعـلـوا و مـهـمـا دمـّروا
و عـاثــوا فـسـاداً و قـتـلاً و نـهـبـاً .. لـم يـسـتـطـع هـؤلاء أبـداً
بـنـاء لـبـنـانـهــم الاّخـــر فـي عـقـول الـنـاس و قـلوبهم . حـتـى
و أنـت تـنـظـر إلى ألـسـنـة الـلـهـب الـمـتـصـاعـدة مـن كـل أنـحـاء
هـذا الـكـيـان الـعـجـيـب ..لا بـد أن تــرى مـشـهـداً اّخـر فـي خـلـفـيـّـة
الـصـورة .. لـوطـن اّخـر .. مـخـتـلـف تـمـامـاً عـمـّـا تـراه أمـامـك .
ذاك الـوطـن .. الـمـشـهـد الـبـاقـي .. صـنـعـه هـؤلاء . و جـعـلـوه
خـالـداً لا يـمـكـن أن يـتـحـوّل إلـى مـزرعـة عـنـد هـذا الـبـيـك أو
ذاك الـشـيـخ ... وطـن تــرى فـيـه ( قـمـر مـَـشـْـغــَرة ) جـمـيـلاً
دائـمـاً .. يـكـتـمـل بــدراً حـيـن يـنـظـر إلـى ( وادي الـتــَـيـم ) مـن
عـلٍ لـيـتـفـقــّـده .. وطـن .. عـرف فـيـه الـرحـابـنـة مـنـذ زمـن
أن الـجـنــوب لا بــُـدّ أن ( يــُـشــْـغــَـلَ ) بـقـلـوب أبـنـائـه .
و هـل هـنـاك أرض شــُـغـِـلــت و ســُـيـّـجــت بـقـلـوب أبـنـائـهـا
كـالـجـنـوب ؟ وطـن تــرحـل عـيـنـاه كـل صـبـاح إلـى الـقـدس
بـهـيــّـة الـمـسـاكـن , و زهـرة الـمـدائـن , لـتـعـانـق الـكـنـائـس
الـقـديـمـة , و تـمـسـح الـحـزن عـن الـمـسـاجــد . و تــُـنــذر
بـغـضـب سـاطـع اّت ٍ . كـوجـه الـلـه الـغـامـر , اّتٍ .
( و بـتـمـرق بـالـشـوارع .. قـدّام الـدكـاكـيـن .. الـ بــِـقـيــِـت ْ
مـن فـلـسـطـيـن .. و بـتـجـيـب مـعـهـا هـديــّـة , مـن الـنـاس
الـنـاطـريـن .. ) وطـن يـنـسـب نـفـسـه بـكـل الـحـبّ إلـى
" يـافـا " و يـتـذكــّر ( أيــّـام الـصـيـد بـيـافـا ) و يـعـدهـا
بالـعـودة ( سـنـرجـع .. نـرجـع يـا يـافـا ) .. ثـم إلـى " بـيـسـان "
الـتـي ( يـنـام فـي أفـيـانـهـا نـيـسـان .. ضـيـعـتـنـا كـان اسـمـهـا
بـيـســان ) .. هـذا الـوطـن الـذي لـم يـسـتـطـع " سـايكس و بـيـكو"
أن يـقـسـّـمـوه فـي قـلـوب الـمـؤمـنـيـن بـه .
و لأن ّ كـل مـن عـرف الـرحـابـنـة و أحـبـّـهـم هـو مـن أهـل
( مـيـس الـرّيــم ) .. الـذيـن قـال لـهـم عـاصـي بـصـوت فـيـروز :
يــا أهـل مـيـس الــريــم
ضــلــّــوا تـــذكــّـرونــي
كــلّ مــا حـَـبــّـوا اتــنـيــن
تــبـقــوا تــذكــّــرونـــي .
إنـهـا ذكـرى رحـيـل " عـاصـي الـرحـبـانـي " ..
عـاصـي الـذي كـان و لا زال ذاك الـوتــد الـضـارب فـي الأرض
و الـذي يـسـنـد خـاصـرة هـذا الـوطـن حـتـى بـعـد رحـيـل جـسـده .
عـاصـي الـذي مـات فـقـيـراً مـديـونــاً .. و اســتــطـاع أن يــُـثـري
لـبـنـان و الـشــرق .. بـكـنـوز لا تــنــتــهــي .
أتــذكــّـر يـوم رحـيـل عـاصـي جـيـداً .. لـم يـكـن لـي مـن الـعـمـر
و بـالـتـالـي مـن الإدراك مـا يـسـمـح لـي أن أشـعـر بـحـجـم الـحـدث ..
لـكـنـي كـنـت أرى وجـومـا رهـيـبـاً عـلـى وجـوه الـمـتـحـلـّـقـيـن
حـول " الـراديـو " يـسـمـعـون الـخـبـر يـتـكـرّر لـمـرات . دون
أن يــُـعـلــّـقـوا عـلـيـه سـوى بـصـمـت يـشـبـه ضـجـيـج مـعـركـة .
أدركـت فـيـمـا بـعـد . أن حـدثــاً كـرحـيـل عـاصـي لا يـمـكـن أن
يــُـعــلــّــق عـلـيـه بالـكـلام تـلـك الـلـحـظـة .
و بـعـد زمـن .. أدركـت أكـثـر أن عـاصـي لـم يـمـت أبـداً و لا يـمـكـن
أن يـمـوت .. لا يـمـكـن لـوطـن بـهـذا الـبـهـاء أن يـنـدثــر ..
لــقــد قــال جـبـران ( و هـو وطـن اّخـر ) :
( لـكـم لـبـنـانـكـم ... و لـي لـبـنـانـي ) .
و أحـال الـرحـابـنـة هـذا الـكـلام إلـى واقـع و بـنـوا لـبـنـانـهـم
و لـبـنـان جـبـران .. و لـبـنـان كـل الـطـيـبـيـن الأنـقـيـاء .
بـنـوا وطـنـاً فـي الـقـلـوب .. و لـلـقـلـوب .
عـنـدمـا تـنـظـر إلـى لـبـنـان .. عـلـيـك أن تــخـتـار بـيـن
وطـنـيـن .. وطـن حـوّلـه الـسـاسـة إلـى أشـلاء .. و فـي
هـذا الـوطـن يـظـلّ " راجـح " ( الـكـذبـة ) يــُـخـيـف الـنـاس
و يـسـرق مـؤونـتـهم و ذهـبـهـم فـي الـلـيـالـي الـسـوداء
و وطـن اّخــر .. تــذهـب فـيـه " عـلـيـا " إلـى ( كـرم الـعـلالـي )
لـتـجـد اسـوارة جـمـيـلـة .. و يـخـرج فـيـه راجـح الـحـقـيـقـي
دائـمـا مـن حـديــقــة الـرحـابـنـة كـل صـبـاح .. حـامـلاً مـعـه
" خـاتــم خـطـبـة " لـكـل فـتـاة .. والـكـثـيـر مـن الـحـبّ و الأمـل .
.....................
طــلــعــنـــا .. تـحــرّرنــــا
طـلـعـنـا عـلـى الــضــوّ ..طـلـعـنـا عـلـى الـريـح
طـلـعـنـا عـلـى الـشـمـس , طـلـعـنـا عـلـى الـحـريــّـة
يـا حـريـّة , يـا زهـرة نـاريـّـة , يـا طـفـلـة وحـشـيـّة , يـا حـريـّـة
صــرّخـوا عَ الـعـالـي .. عـلـى الـعـالـي
اركـضـوا بالـحـقـالـي .. عـلـى الـعـالـي
قـولـوا لـلـحـريــّـة نـحـنـا جـيـنـا , و افـرحـوا .. افــرحـوا
يـا لـيـل , يـا حـبّ , يـا دروب , يـا حـجـار
الـحـقـونـا عَ الـشـجـرة الـبـريــّــة
غــَـيــروا أسـامـيـكـن إذا فـيـكـن
لــون عـيـونـكـن إذا فـيـكـــن
خــَـبــّـوا حـريــّـتـكـم بـجـيـابـكـم واهـربــوا .. اهــربــوا
عَ الـضــوّ , عَ الـريـح , عَ الـشـمـس , عَ الـبـرد
عَ بـيـادر مــضــويــّـة ومـنـســيــّــة .
الأخـويـن رحـبـانـي
ــ مـعـقـول هـالـكـلام ؟ مـعـقـول ؟ هـيـدي أجـمـل نـظـريـة حـقـيـقـيـة
و بـسـيـطـة و عـبـقـريـة قـريـتـهـا عـن الـحـريـّة :
( غـيـروا أسـاميكن اذا فيكن . ولـون عـيـونـكـن اذا فـيـكـن . و خـبـّـوا
حـرّيـتـكـن بـجـيـابـكـن و اهـربوا عَ الـضـو , عَ الـشمس , ع الريح )
مـن يـوم وعـيـت عـالدنيا لـحـدّ الاّن .. كـلّ مـا سـمـعـت هـالـغـنـيـّة
بـشـعـر انه عـضـامـي عـم تـرجـف .
و أنـا مـا بـتـرجـف عـضـامـي إلا بـحـالات نـادرة .. يـا إمـا بـكـون
قـرأت شـي كـلام عظيم بـيـلـخـبـط كيانـي .. أو مـثـلا إذا تـطـلـّـعـت
فـييّ حـبـيـبـتـي ( نـظـرة ذات مـغـزى ) مـش أي نـظـرة يـعـنـي .
و إمـا ــ و هـيـدا شـي جـديـد ــ إذا مـرقـت مـن قـدّام مـبـنـى
مـخـابـرات عـربـيـّـة ... مـع اخـتـلاف الـمشاعـر فـي كـل رجـفـة
طـبـعـاً .

















23 يونيو, 2008 10:20 ص