ذات يـوم .. سـأل عـمـيـد الـكـتـلـة الـوطـنـيـة الـلـبـنـانـيـة
الـراحـل ( ريـمـون إدّه ) .. وزيـر الـخـارجـيـة الأمـريـكـي
الأسـبـق و الأشـهـر ( هـنـري كـيـسـنـجـر ) الـسـؤال الـتـالـي :
( ألـم تـجـد أيـهـا الـعـزيـز هـنـري ـ و كـان يـُـحـب أن يــُنـادى
بالـعـزيـز هـنـري ــ غـيـر لـبـنـان لـتـبـدأ مـنـه حـروبـك فـي
الـشـرق الأوسـط ؟ ) .
ردّ كـيـسـنـجـر : ( يـجـب أن تــعـرف أيـهـا الـعـمـيـد .. أن
الـزلازل لا تــُـؤثــر إلاّ فـي الأراضـي الـمـتـشـقــّـقــة و الـمـتـصدعـّة )
هـنـري مـعـه حـق تـمـامـا ً .. و لـبـنـان لـيـس اسـتـثـنـاءً بالـطـبـع
فـكـل أراضـي الـعـرب مـتـشـقـــّـقـة و مـتـصـدعـة .. و يـمـكـن
لـزلـزال صـغـيـر أن يــُـحـيـلـهـا تـــلــّـة ركـام .
هـل هـو أمـر مــُــقــدّر مـن الـسـمـاء مـثـلا ً ؟؟
هـو لـيـس كـذلـك طـبـعـاً ,لـكـن مـعـظـمـنـا وصـل بـه الأمـر لأن يـؤمن
أن الأمـر كـذلك فـعـلا ً, وأن الله كـتـب عـلـيـنا الـذلّ و الـفـقـر و الـتـخـلـف
و الإحـتـلالات .. لـكـي يـخـتـبـرنـا .. و مـا عـلـيـنـا سـوى الـصـبـر .
و إنــتــظـار الـمـسـيـح الـمـخـلـّـص أو المـهـدي الـمـنـتـظـر لـكـي
يـأتــي و يـنـهـي الأمـور بـأيـام قـلـيـلـة .. أي أن الأمـر قـضـاء و قـدر
و نـحـن لا يـد لـنـا و لا حـيـلـة فـي كـل مـا جـرى و يـجـري .
نـقـول .. أن الـحـكـّـام هـم أصـل كـل بـلاء .. هـذا هـروب وضـيـع
و جـبـان مـن الـمـسـؤولـيـة .. إلا إذا كـان الـحـكـّام هـم أيـضـا ً
قـضـاء و قـدر ..و يـحـتـاجـون لـمـسـيـح مـخـلـّص و مهـديّ مـنـتـظـر .
رغـيـف الـخـبـز أيـضـا ... وجـوده أو نـدرتــه .. هـو قـضـاء و قـدر .
إنّ الـمـتـابـع لـمـعـظـم الـمـدوّنـات الـعـربـيـة عـلـى الـشـبـكـة
فـيـما خـلا بـعـض مـواقـع و مـدونـّـات مـفـكـّريـن و مـنـاضـلـيـن
و أدبـاء حـقـيـقـيـن و بـعـض الـشـبـاب الـذي يـمـتـلـئ نـشـاطـاً
و وعـيـا ً و ذكـاءً .. يـدرك حـجـم الـشـرخ الـنـفـسـي الـذي
يـعـانـي مـنـه الـمـواطـن الـعـربـي بـشـكـل عـام .
سـتـجـد أن الـمـواطـن الـعـربـي .. عـالـم بـخـفـايـا الأمـور
و يـسـتـطـيـع أن يــُـعـدد لـك أسـمـاء كـل الـذيـن كـانـوا مـع الـنـبـي
نــوح فـي سـفـيـنـتـه .. وأسماء كـل الـذيـن عـبـروا الـبـحـر
مـع الـنـبـي مـوسـى .. و يـعـرف أيـضـا ً مـاذا كـان يـفـكـّر الـنـبـي
مـحـمـد حـيـن كـان يـخـلـو لـنـفـسـه .. و يـعـرف مـن نـظـرة واحـدة
إن كـنـت ُ أنـت عـزيـزي الـقـارئ ذاهـب إلـى الـجـنـة أم إلـى جـهـنـم .
لـكـن هـذا الـمـواطـن الـذي يـعـرف الـحـق و الـبـاطـل و يـلـمّ بـكـل
الـعـلـوم و الـنـظـريـات و الـقــوانـيـن .. لا يـعـلـم أنـه هـو نـفـسـه
مـن جـعـل هـذه الأرض تـحـت قـدمـيـه مـتـشـقـّـقـة و قـابـلـة
لـلـخـراب عـنـد أول و أصـغـر زلـزال قـادم ..
هـو نـفـسـه .. لا يـعـرف أن يـقـول ( لا ) .. لا لأي شـيء سـيء
بـدءا بالـفـقـر .. مـروراً بالـظـلـم و الـذل ّ و لـيـس انـتـهـاء بالإحـتـلال .
لا بـمـعـنـاهـا .. لا .. بـنـتـائـجـهـا .. لا .. بـمـسـؤولـيـتـهـا .
و إن قـالـهـا .. يـقـولـهـا بالـخـفـاء .. لأنـه غـيـر مـستـعـد لـتـحـمـّل
نـتـائـجـهـا .. أنـا شـخـصـيـا .. أعـتـقـد أنـي سـأعـتـذر عـن هـذه الـ (لا )
عـنـد أوّل كـربـاج يـنـزل عـلـى جـسـدي .. أو حـتـى عـنـد أوّل نـظـرة
يـرمـقـنـي بـهـا رجـل أمـن عـربـي .. و ربـمـا سـأقـسـم أنـي قـلـتـهـا
و أنـا سـكـران و فـاقـد لـوعـيـي .
قــلــّـة قـلـيـلـة فـي هـذه الأمـة .. مـن تــسـتـطـيـع تـحـمـّـل
مـسـؤولـيـة تـلـك الـ ( لا ) .. و هـؤلاء إمـا فـي الـسـجـون
أو مـنـفـيـّـيـن خـارج أوطـانـهـم أو وصـلـوا لـمـرحـلـة الـبـحـث
عـن لـقـمـة يـأكـلـونـهـا .. بـعـد أن أفـقـرهـم الـشـعـب قـبـل أن
يـفـقـرهـم الـحـاكـم .. و الـشـعـب يــُـفـقـر هـؤلاء .. حـيـن يـتـخـلـّى
عـنـهـم . و الـبـعـض الاّخـر فـي طـريـقـه إلـى الـتـوبـة عـن لاءاته
عـنـد أول اخـتـبـار حـقـيـقـي .
الـكـثـيـر مـن الـمـدونـات فـي جـيـران مـثـلاً .. تــتـكـلـّم إمـا عـن
الـديـن و شـواهـد عـذاب الـقـبـر .. و فـلان الـذي دخـل الإسـلام
بـسـبـب بـعـوضـة .. و شـتـيـمـة أصـحـاب الـديـانـات الأخـرى
بـوصـفـهـم كـفـرة و جـَـهـلـة و مـجـمـوعـة مـن الـسـكـارى
و مـحـتـرفـي الـخطيئة و الـجـنـس .. وإمـا عـن الأغـانـي و الـصـور
( الـجـامـدة جـداً ) لـتـلـك الـمـغـنـيـة أو ذاك الـمـغـنـي .
أمـّـا الـمـدونـات الـمـسـيـحـيـة مـثـلا ً ( و هـي قـلـيـلـة جـدا هـنـا )
و الـتـي تـتـنـاول الـديـن .. فـهـي أيـضـا .. مـنـزويـة عـلـى نـفـسـهـا
و تــتــكـلـّم عـن مـعـجـزات هـذا الـقـدّيـس أو ذاك ..و أن طـريـق
الـمـسـيـح هـي الـطـريـق الـنـهـائـي لـلـنـور و الاّخـريـن مـحـرومـين
مـن الـضـوء لأنـهـم فـي ضـلالـهـم يـعـمـهـون .
أمـا الـحـديـث عـن الـغـرب و ضـلالـه و كـفـره .. فـهـذه أدسـم
الـمـواد الـتـي يــتــقـنـهـا الـعـرب .. و لا يـسـألـوا أنـفـسـهـم سـؤالاً
بـسـيـطـا ً عـن سـبـب وصـول هـذا الـغـرب ( الـذي يـشـرب الـخـمـر)
إلـى الـمـجـرّات و الـفـضـاء الـبـعـيـد .. ثـم إلـى غـرف نـومـنـا نـحـن
الـعـبـاقـرة .
ــ وصـلـت إلـى إحـدى الـمـدونـات فـي جـيـران قـبـل أيـام ..
بـعـد أن لـفـتـنـي عـنـوان ( عـاش الـمـلـك الـمـفـدّى ) و وجـدت
تـمـجـيـداً غـريـبـا عـجـيـبـا ً .. أقـرب لأن يـكـون حـديـثـاً عـن إلـه .
حـسـنـا ً ... عـاش الـمـلـك الـمـفـدى .. عـاش الـمـلـك الـمـفـدّى ..
و أنــت ؟؟ مـاذا عـنـك ؟؟ هـل أنــت حـيّ مـفـدّى ؟؟ أم أنـك حـي ّ
لـكـي تــمـجـّـد فـقـط ؟ هـل لـديـك مـائـة دولار فـي جـيـبـك تـسـتـطـيـع
أن تــشــتــري بـهـا بـعـض صـور هـذا الـمـفـدى و عـائـلـتـه الـمـجـيـدة
مـن الـمـكـتـبـات ؟ و لـن أقـول تــشــتـري بـهـا ثـيـابـا ً أو طـعـامـا ً ..
حـتـى الـبـطـولـة .. نـحـن نــشــوّهــهــا .. فـــإن كـــتـبـت
أنـا هـنـا كـلـمـتـيـن عـن الـظـلـم .. سـأعـتـبـر بـطـلا ً عـظـيـمـا ً ..
مـع أنـه .. حـتـى الـحـيـوان .. يـرفـض الـظـلـم بـطـريـقـتـه ..
نـحـن نـبـحـث عـن أي بـطـل يـأتــي مـن الـعـدم لـنـشـعـر بالـرضـى
و الـزهـو قـلـيـلا ً .. حـتـى لـو كـان بـطـلاً مـن ورق .
لـقـد تــعـاطـفــت و كـتـبـت تــضـامـنـاً قـبـل فـتـرة خـارج جـيـران
مـع الـفـتـاة الـمـصـريـة ( إسـراء عـبـد الـفــتــّاح ) الـتـي اعـتـقـلـت
لأنـهـا شـاركـت فـي مـجـمـوعـة عـلـى الأنـتـرنـت بالـدعـوة إلـى الإضـراب
الـعـام .. شـخـصـيـا .. لـم أر فـي هـذه الـفـتـاة و لا للـحـظـة واحـدة بـطـلـة
أو جـــان دارك أو جــمـيــلــة بوحـيــرد.. تـعـاطـفـت مـعـهـا و لا زلــت
لأنـي رأيـت فـيـهـا فـتـاة قـامـت بـواجـبـهـا بالـطـريـقـة الـتـي
اسـتـطـاعـت إلـيـهـا سـبـيـلا ً ..وكـان اعـتـقـالـهـا صـدمـة لـكـل صـاحـب
ضـمـيـر .. لـكـنـي ( و لـهـذا الـسـبـب تـطـرقـت لـموضوعها الاّن )
صــُــعــقــت تـمـامـا ً و أنـا أسـمـع و أشـاهـد تـصـريـحـهـا عـنـدمـا
خـرجـت مـن الـسـجـن ... الـفـتـاة .. حـمـدت الله مـرات عـديـدة
لـلـحـيـاة الـرغـيـدة الـتـي عـاشـتـهـا داخـل الـسـجـن و لأنـهـم
( لـم يـلـمـسـوا شـعـرة مـنـّـي ) .. و أعـلـنـت أنـهـا لـم تـكـن
واعـيـة تـمـامـاً لـمـا تـفـعـلـه .. يـا إلـهـي .. ألـهـذه الـدرجـة
هـانــت عـلـيـنـا كـرامـاتـنـا .. أنـا لا أوجـّـه كـلامـي لإسـراء الاّن
فـأنـا و الله لا ألـومـهـا أبـداً ..فـهـي فـتـاة بـسـيـطـة لـم يـسـبـق لـهـا
أن واجـهـت أمـراً عـظـيـمـاً ( بالـنـسـبـة لـهـا ).. كـهـذا .. و وجـدت
نـفـسـهـا فـجـأة وحـيـدة فـي الـسـجـن و بـيـن أيـدي رجـال غـلاظ ..
و لـم تــتــربـّـى كـحـال مـعـظـمـنـا عـلـى ثـقـافـة الـمـواجـهـة
و الـثـبـات عـنـد الـحـق ..
و الاّن أنـا مـتـعـاطـف مـعـهـا أكـثـر مـن الـسـابـق بـكـثـيـر ..
بـل أوجــّـه كـلامـي لـنـفـسـي أولاً ثـم لـلـجـمـيـع ..
هـل اّمـنـا أن حـق الـحـيـاة و الـكرامــة هـو هـبـة الـحـاكـم
و رجـل الأمـن ؟ هـل اّمـنـا أنـنـا حـيـن نـطـالـب بـأبـسـط حـقـوقـنـا
فـإنـنـا نـقـتـرف إثـمـأ ً عـظـيـمـا ً .. يـجـب الـتـوبـة عـنـه فـوراً
بـعـد أن يـعـطـيـنـا الـحـاكـم و زبـانـيـتـه درسـا فـي حـقـوق الإنـسـان؟
أنـا لا ألـومـك يـا إســراء .. مـعـظـمـنـا سـيـفـعـل مـا فـعـلـتـيـه
لـو كـنــّـا مـكـانـك . لـقـد أوصـلـنـا أنـفـسـنـا لـلـمـرحـلـة الـتـي
نـحـمـد فـيـهـا الله أنـنـا دخـلـنـا الـسـجـن و ذقـنـا حـلاوة الـتـوبـة
عـلـى يـد الـجـلاّد .. و لـن نـعـيـدهـا أبـداً .. لـن نـعـيـدهـا أبـدا ً .
خـصـوصـا ً أنـنـا خـرجـنـا ( و لـم يـمـسـوا شـعـرة مـنـا )
ألـيـسـت هـذه مـعـجـزة تــسـتـحـق الـسـجـود شـكـراً لـلـه
و لـلـحـاكـم عـلـيـهـا ؟
ــ مـلاحـظـة :
الـسـجـن فـي الـسـويـد مـثـلاً .. فـيـه جـهـاز كـمـبـيـوتـر
مـوصـول بالأنـتـرنـت لـكـل سـجـيـن .. و غـرفـة مـكـيـفـة
و تـلـفـزيـون و هـاتـف .. و سـيـنـمـا .. و إن فـكـّـر الـسـجـيـن
لـلـحـظـة أن الـسـجـّان ( قـد يـمـسّ شـعـرة مـنـه ) . يـُـقـيـم
الـدنـيـا و لا يــُـقـعـدهـا .. و يــُرسـل مـديـر الـسـجـن إلـى الـتـقـاعـد
أو يـصـبـح زمـيـلا لـه فـي غـرفـة أخـرى .. الـسـبـب بـسـيـط ..
و هـو لـيـس لأن هـذا الـسـجـيـن يـجـب أن يـكـون أمـيـراً و يــُـكـافـئ
عـلـى جـرائـمـه الـتـي دخـل لأجـلـهـا الـسـجـن .. بـل لأنـه حـتـى
الـمـجـرم هـنـاك .. يـعـرف أنــه ( إنـسـان مـجـرم ) . لـه حـق
الـتـعـامـل مـعـه كـإنـسـان .. كـمـا لـلـدولـة حـق حـجـز حـريــتـه
( كـمـجـرم خـطـر ) .
أمـا عـنـدنـا .. فـإسـراء تـقـول : ( مـا حـدّش مـسّ شـعـرة مـنـي )
و تــؤكــّـد عـلـى ذلـك أكـثـر مـن مـرّة . و تـشـكـر مـع أمـهـا
فـخـامـة رئـيـس الـجـمـهـوريـة .. و مـعـالـي وزيـر الـداخـلـيـة ..
















27 ابريل, 2008 02:41 ص