عقلي المتجمد الشمالي

نريد أن نـحـيا قليلآ .. لا لشيء ... فقط لنحترم القيامة بعد هذا الموت ..

مـزامـيـر حـنــّـا الـسـكـران 4

 
 

يــعــتــدلُ حـنــّـا  فـي جـلـسـتـه .. يـسـنـد يـديـه عـلـى جـانـبـي

 

كـرسـيـّـه الـمـريـح .. بـعـد أن يـتـنـاول   سـيـجـارة سـويـسـريـّـة

 

و يـضـعـهـا  بـيـن شـفـتـيـه .. يـُـشـعـلـهـا ويــلـمـسـهـا بـطـرف
 
لـسـانـه بــِـلـذّة ..  ثـم يـعـضـّـهـا قـلـيـلاً .. و يـعـود لـيـمـصّـهــا

 

 بـشـهـيـّـة ٍ غـريـبـة .. و كـأنـهـا شـفـتـيّ حـبـيـبـة لـم يـَـذقــْـهـا
 
مـنـذ زمـن  .

 

يـحـدّق حـنــّا  بـعـمـق فـي الـمـدى الـفـارغ و الـقـصـيـر  أمـامـه . لـيـبـدو

 

 و كـأنــّـه  اّخـر قـيـاصـرة رومـا .. يـخــّـطـط لاحـتـلال قـرطـاجـة .

 

هـذا الـوصـف .. يــُـعـجـب حـنــّـا .. فـيـشـدّ ظـهـره أكـثـر عـلـى الـكـرسـي ّ

 

لـيـُـظـهـر هـيـبـة ً أكـبـر فـي وجـه هـذا الـفـراغ .. وتــرتـسـم عـلـى وجـهـه

 

مـلامـح ذاك الـديـكـتـاتـور الـذي يـُـخـيـّل لـحـنـّا أنـه مـخـتـبـئ فـي أعـمـاقـه

 

مـنـذ الأزل  .. فـيـعـبـس و كـأنــّـه عـلـى وشـك إصـدار الأوامـر بـإحـراق

 

 رومـا .. كـي يـكـتـب فـيـهـا قـصـيـدة تـافـهـة .

 

ــ سـمـعـت أن حـسـنـي مـبـارك مـرشــّـح لـجـائـزة نـوبـل لـلـسـلام ؟

 

حـنــّـا  لا يــُـعـيـر انـتـبـاهـاً  لـهـذا الـصـوت الـقـادم مـن جـهـة ٍ مـا  فـي

 

رأســه .. و يـظـلّ مـحـدّقــاً  فـي الـمـدى الـذي بـدأ يـتــّـسـع أكـثـر فـأكـثـر

 

أمـام خـيـالـه .. لـتـظـهـر الـصـحـاري الـعـربـيـة واحـدة تـلـو الأخـرى

 

يـرى عـربـاً عـلـى ظـهـور جـِـمـالـهـم , يـمـشـون عـلـى غـيـر هـدى .
 
 يـصـرخ بـهـم حـنـّـا  بـأعـلـى صـوتـه : أنْ ارجـعـوا .. لـيـكـتـشـفَ
 
 أن صـدى صـوتـه قـد ســُرق . فـيـُـشـيـح بـنـظـره عـنـهـم  ..
 
 و يـقـرّر أن يـرفـع دعـوى أمـام مـحـكـمـة الـعـدل  الـدولـيـّـة
 
 لـيـسـتـردّ  رجـْـعَ  صـوتــه .

 

ــ سـمـعـت أنّ سـمـيـر جـعـجـع اعـتـذر عـن الـمـجـازر الـتـي

 

ارتـكـبـهـا   ( أثـنـاء قـيـامـه  بـواجـبـه الـوطـنـي ) ؟؟

 

حـنــّـا يـعـتـذر لـنـفـسـه عـن فـكـرة الـلـجـوء إلـى مـحـكـمـة الـهـزلْ

 

الـدولـيـّـة .. و يـفـضـّـل الـتـنـازل عـن صـدى صـوتـه . ويـقـنـع

 

نـفـسـه بـطـريـقـتـه :   مـن الاّن وصـاعـداً .. سـأغـنـي حـيـن

 

أسـْـكـَـر فـقـط   :

 

 مـِــيــْجـَـنــَا   يـا مـيـجـنـا

 

يــا مـيـجـنـــــا

 

صــوتـــي انــْــســَــرقْ

 

مــن بــَــعــد  مـا عـمـري انــْـسَــرقْ

 

و مـا  بــقــي  مـنــّــي

 

غـيـر كـلـمـــِـة  عَ ورق ْ

 

اســْـكــبــْـلــِـي نــبــيــد  و جــِــنْ

 

و اســْـقــِـيــنــِــي عــَــرَقْ

 

لــَ  ضــَــلّ اســْـكــَــر

 

تــَـا  تـــردّوا  صــَـوتـــِــنــَــا .

 

يـرفـع حـنـّـا كـأسـه فـي الـهـواء .. و يــُـخـيـّـل لـه أن الـقـادم بـاتـجـاهـه

 

هـو بـروتـوس صـديـقـه .. فـيـدعـوه لـشـرب نـخـب ٍ أخـيـر .. يـعـتـذر

 

بـروتـوس .. و يـذهـب إلـى عـشـاء عـمـل .

 

يـقـفـز حـنــّـا عـن كـرسـيــّـه كـمـن تـذكـّر أمـراً هـامـّـاً  .. يـلـبـسـه حـلـمـه

 

 الـقـديـم ثـانـيـة ً .. فـيـفـرد يـديـه فـي الـهـواء كـطـائـر فـيـنـيـق ٍ عـائـدٍ مـن

 

رمـادِ  خـَـيـالــِه ْ...

 

لـطـالـمـا حـلـمَ حـنــّـا أنـه غـجـريّ .. و أن كـل هـذي الأرض أرضـه .

 

و كـل هـذا الـفـضـاء سـمـائـه ... يــُـلـقـي حـنــّـا  بـكـل أوراقـه الـثـبـوتـيـّة

 

الـمـزوّرة فـي وجـه تـاريـخــه .. و يـركـض كـطـفـل ٍ فـي بــريــّـة
 
لا تــنـتـهـي . يــكـاد يــُـقـسـم أنـه يـرى  امـرأة ً غـجـريــّـة مـن بـعـيـد ..
 
 تــنـتــظـره عـلـى مـشـارف غـابـة ٍ  سـحـريــّـة ..

 

لا زال حـنــّـا يـحـمـل كـأسـه و يـقـفـز فـي الـهـواء .. و يـغـنـي :

 

" كــاســِــكْ يــا  أثــيــنــا

 

قــَــرّب الـنــسـيــان

 

أنــا  مــلــك .. و مـمـلـكـتـي  خـارج هـالـزمـان

 

لا عــنــدي حــرّاس

 

و لا نـــواطــيــر

 

بـمـشــي .. و حــرّاســـي رفــوف الـعـصــافـيـــر

 

هـالـقـصــر  لــَــشــو ؟؟؟

 

و الـحـكــم  لــشـــو ؟؟؟

 

و الــدهــَـب لــَــشــــو ؟؟

 

الـسـعـادة مــا بــدّا  تــعــب كـتـيــر  "

 

ــ يـفـتـح حـنــّـا بـاب خـيـالـه و يـخـتـفـي وراءه .. تــاركـاً  بــروتــوس

 

خـلـفـه يـشـحـذ طـرف خـنـجـره .. و جـعـجـع يــُـهـيـّـئ نـفـسـه لـلـقـيـام

 

بـواجـب وطـنـي جـديـد .. و أنـبـاء عـن قـيـامـة  نــوبـل مـن قـبـره لـيـصـرخ

 

صــرخــة ً مــدوّيــة ....  و يـنـتــحــر .

 

 

 

جـو غـانـم

 

..........................

 
 
 
·   الشعر باللون الأحمر فقط ..للأستاذ الكبير منصور الرحباني
 
   من مسرحية ( اّخـر أيـّام سـقـراط ) .