الـبـارحــة .. اســتــمـعـت لـلـشـاعـر العربي الـمـصـري فـاروق
جــويــدة و هـو يــُـلــقـي قـصـيـدتــه الـجـديـدة ( هــذي بـلاد ٌ لــم
تــَــعــُـد ْ كــبــلادي ) و الـتـي يــتــحـدث فـيـهـا بـحـرقـة و ألـم عـن
الـشـبـاب الـعـربـي الـذي يـرمـي بـنـفـسـه بـيـن الأمـواج الـعـاتـيــة
تــاركــا ً وراءه مـا يـراه جـحـيـمـا ً فـي مـحـاولــة يـائـســة لـبـلـوغ
الـفـردوس عـلـى الـجـانـب الاّخــر .
ربـمـا كـان بـعـض الـشـبـاب الـعـربـي يـطـلـب الـهـجـرة و يـدفـع
الـمـال فـي سـبـيـلـهـا لأنـه مـعـجـب بـاسـلـوب الـحـيـاة الـغـربـي
و طـامـع بــغــد ٍ اقـتـصـادي أفـضـل .
لـكـنـي أجــزم بـشـكل قـاطـع أن مـعـظـم هـؤلاء الـشـبـاب يـدفـعـون
الـمـال الـذي اســتـدانــوه و يـغـامـرون بـحـيـاتـهـم .. طـلـبـا ً لـلـهـواء .
نـعـم .. الــهــواء .. الــتــنــفــّــس ..
الـهـواء هـنـا .. مــُـصـادر تــمـامـا .. و لـيـس مـجــّـانـي كـمـا نـظـن ّ
و لا تــســتـطـيـع أبـدا ً أن تــتــّـهـم شـابـا جـامـعـيـا يـجـلـس في
لـمـاذا يـريـد الـشاب الـعـربـي أن يـهـاجـر إلى اّخـر الأرض بـل
و هـو مـدرك أن احـتـمـال مـوتـه فـي الـطـريـق أكـبـر بـكـثـيـر
مـن احـتـمـال نـجـاتــه ..
لـقـد تـم ّ طـرق هـذا الـمـوضـوع اّلاف الـمـرّات ربـمـا أكـثـر
و لا طـائـل أن نـحـلـّـل و نـنـاقـش هـنـا ..
الـسـؤال .. لـمـاذا لا يـثـور الـشـبـاب الـعـربـي .. ألـيـس
الـفـقـر و الـعـبـوديــّـة كـانـا سـبـبـان رئـيـسـيـان دائـمـا
و أبـدا فـي ثـورات الـشـعـوب ؟ .. لـكـن كـيـف يـثـور مـن
لـم يـعـد مـؤمـنـا أنـه ( لـقـد ولـدتـكـم أمـهـاتـكـم أحــرارا ً )
و أن : ( طـعـم الـمـوت فـي أمـر ٍ حـقـيـر ٍ
كـطـعـم ِ الـمـوت فـي أمـر عـظـيـم )
لـقـد جـعـلـنـا نـحـن الـشـعـوب و عـلـى مـدى قـرون . هـؤلاء
الـزعـمـاء و أبـنـاءهـم يـصـدّقـون أنـهـم هـم كـانـوا وراء ولادتـنـا
مـن أرحـام أمـهـاتـنـا و أن الـهـواء الـمـلـوّث الـذي أكـرمـونـا بـه
هـو هـبـة إضـافـيـة مـن هـبـاتـهـم الـعـظـيـمـة و أن مـوتـنـا عـلـى
أرصـفـة الـغـربـة أو فـي بـطـون الـمحـيـطـات الـهائـجة هـو ( بـطـر ٌ )
مـنـا لأنـنـا أنـكـرنـا نـعـمـة هـؤلاء عـلـيـنـا و ذهـبـنـا نـطـلـب نـعـمـة
مـن الـغـريـب . بـل تـركـنـا لـهـم حـتـى ( الله سبحانه ) لـيـحـتـكـروه
لأنـفـسـهـم و يـحـرمـونـنـا مـن صـكـوك الـغـفـران . فـهـم ( مـغـفـور
إن مـعـظـم الـشـبـاب الـلـبـنـاني مـثـلا هـو شـبـاب مـثـقـف بـدرجـات
كـبـيـرة , مـا إن يـنـتـهـي مـن تـحـصـيـلـه الـعـلـمـي . حـتـى يـقـيـم
عـلـى أبـواب الـسـفـارات .. لـيـس بـطـرا و لا حـبـا بالـهـجـرة
بـل لأن الأفـق مـسـدود و لأنـه لـم يـولـد إبـنـا لـزعـيـم يـرسـلـه
و هـو طـفـل فـي هـجـرة طـوعـيـة جـمـيـلـة إلى فـرنـسا أو
أمـريـكـا لـيـتـعـلـّـم هـنـاك ثـم يـعـود شـابـا لـيـصـبـح زعيما
و وزيـرا و رئـيـسا دون أن يـعـرف أيـن تـقـع طـرابـلـس
لـقـد بـنـى الـلـبـنـانـيـون الـمـهـاجـرون بـلـدانـا بـأكـمـلـهـا
و هـنـاك بـلـدان فـي أفـريـقـيـا و أمـريـكـا الـجـنـوبـيـة قـام
اقـتـصـادهـا عـلـى أكـتـاف الـلـبـنـانيــيـن الـعـبـاقـرة و أصـبـحـوا
هـم و أخـوتـهـم الـسوريـون رؤسـاء لـهـذه الـبـلـدان أو رؤساء
لـبـلديـاتـهـا .. إن بـلـديـة كـبـلـديـة ساوباولو فـي الـبـرازيـل
يـتـنـاوب فـي مـعـظـم الأحـيـان لـبـنـانيـون و سوريون عـلـى
رئـاسـتـهـا لـهـو أكـبر دليل عـلـى ذكـاء و قـدرة الإنـسـان الـعـربي
عـلـى فـعـل الـمـسـتـحـيـل حـيـن ( يـتـنـفــّـس ) و أنـا مـصـرّ عـلـى
أتــذكــّر الاّن قـصـص الأدبـاء ( الـسـود ) عـن الـحـريـّـة و عـن
الـهـرب لـمـلاقـاة الأم الـتـي بـيـعـت لـسـيـد عـلـى الـضـفـة الأخـرى
أو هـروب الأم ذاتـهـا مـن بـيـت سـيـدهـا لـتـبـحـث عـن أبـنـائـهـا
الـذيـن بـيـعـوا فـي أنـحـاء الأرض .. و لا أجـد شـبـهـا أكـثـر قـربـا ً
مـن حـالـنـا الاّن سـوى نـضـال الأخـوة الـسـود فـي زمـن الـعـبـوديـة .
يـجـب عـلى هـذا الـشـبـاب الـعـربـي الـمـثـقـف أن يـبـدأ ثـورة ثـقـافـية
عـلـى الأقـل .. يـكـتـب فـيـهـا عـن طـرق الـخـلاص مـن عـبـوديـته
لـلـسـيــّـد الـعـربـي ( الأبـيـض ) الـذي يـسـتـعـبـده كـل دقـيـقـة
حـتـى فـي أبـسـط حـقـوقـه الـحـيـاتـيـة . و يـجـب أن يـؤمـن أن
هـذا الـسـيـد لـيـس إلـه مـعـبـود و أن فـرعـون لا يـحـتـاج دائـمـا
إلى ( مـوسـى و إلـهـه ) لـيـغـرق فـي الـبـحـر . بـل إن الإيـمـان فـي
قـلـوب أتـبـاع مـوسـى هـو مـن أغـرق فـرعـون و أتـبـاعـه بـأمـر
الله . فـقـد كـان بـاسـتـطـاعـة الله أن يـخـلـص مـن فـرعـون مـنـذ
زمـن بـعـيـد . لـكـن الله لا يـغـيـّـر مـا بـقـوم ٍ حـتـى يـغـيـّـروا
مـا بأنـفـسـهـم . و الـعـبـيـد الـسـود لـم يـأخـذوا حـريـتـهـم بالـتـضـرّع
و الـدعـاء فـقـط .
يـجـب الإيـمـان أن قـضـيـة فـقـر الإنـسـان الـعـربـي هـي تـمـامـا
بـأهـمـيـّـة قـضـيـة تـحـريـر فـلـسـطـيـن و الـعـراق . فلا يـمـكـن
لـلـعـبـد الـذلـيـل أن يـحـرّر أرضـه و مـقـدّسـاتـه إذا كـانـت روحـه
مـسـتـعـبـدة لـشـخـص أو أشـخـاص اّخـريـن .
اكـتـبـوا عـن الـفـقـر .. اكـتـبـوا عـن الـذل .. اكـتـبـوا عـن الـحـريـة
اجـعـلـوا اّذان الـسـادة تــتــورّم مـن صـراخ عـقـولـكـم و أرواحـكـم .
إن مـعـظـم هـؤلاء الـسـادة هـم أغـبـيـاء بـنـوا سـيـادتـهـم بـحـجـارة
سـكـوتـكـم و ذلـّــكــم .. و هـم يـخـافـون عـقـولـكـم أكـثـر بـكـثـيـر
مـمـا يـخـافـون مـسـدسـاتـكـم . لـقـد كـان هـتـلـر يـقـول : كـلـمـا
سـمـعـت كـلـمـة " مـثـقـف " أضـع يـدي عـلـى مـسـدسـي .
اكـتـبـوا عـن أمـّـكـم الأرض الـتـي لـم تـعـد تـغـمـركـم بـحـنـانـهـا
لأنـكـم كـنتـم أولادا عـاقـّـيـن لـم تـبـجـّـلـوهـا قـدر مـا تــسـتـحـق
فـتـركــتـمـوهـا لـلـقـريـب و الـغـريـب كـي يـأخـذهـا جـاريـة ً لـه
و يـغـتـصـب أحـشـاءهـا هـو و أبـنـاءه و أتـبـاعـه كـل يــوم .
و ذهـبـتـم ــ بـل و ذهـبـنـا ــ نـبـحـث عـن أمـهـاتـنـا فـي بـلاد ٍ
بـعـيـدة نـمـوت فـي الـطـريـق قـبـل أن نـصـل و نــرتـمـي فـي
حـضـن تـلـك الأم الـغـريــبــة الـحـنـون .
هـا أنـذا .. هـذا الـعـبـد الـسـجـيـن الـذي يـكـتـب لـكـم هـذه الـكـلـمات
و هـو يـظـنـّـهـا ( مـا تـيـســّـر مـن نـضـال خـجـول ) . أقـبـع هـنـا
عـلـى أرض عـربـيـة يـلـفــّـنـي الـهـواء الـفـاسـد مـن كـل صـوب
لـدرجـة أنـي أخـتـنـق و أمـوت ألـف مـرّة فـي الـيـوم لأعـود و أولـد
مـن جـديـد كـالـعـبـد الـذي لـم يـسـمـح لـه سـيـده بالـمـوت الـنـهـائـي
بـعــد . و لـو سـألـتـمـونـي هـل تـفـضـّـل الـمـشـاركـة بـثـورة الاّن
أم الـرحـيـل إلـى اّخـر الأرض .. ربـمـا قـلـت لـكـم أنـي أريـد أن أذهـب
الاّن الـى الـقـطـب الـشـمـالـي لأمـوت هـنـاك مـن الـبـرد حـيـث لا أجـد
هـنـاك مـن يـتـكـلـّـم هـذه الـلـغـة الـعـربـيـة الـتـي اّمـنـت بـهـا لـدرجـة
الـعـبـوديــة .
أتــذكـّـر الان الـكـاتـب الـروسـي الـكـبـيـر ( مـكـسـيـم غـوركـي )
فـي روايـتـه الـعـظـيـمـة ( الأم ّ ) .. و كـأنـّـي بـهـذه الأرض
الـعـربـيـة هـي ( الأم ) فـي روايـة غـوركـي .. تـقـف فـي الـفـصـل
الأخـيـر لـتـدافـع عـن أحـد أبـنـاءهـا و تــقــول :
( هـل تـعـلـمـون لـمـاذا قـدّمـوا ابـنـي و الـذيـن مـعـه إلـى الـمـحاكمة ؟
لـسـوف أقـول لـكـم لـمـاذا , و أنـتـم ســتـصـدّقـون قـلـب أم ّ و شـعـرهـا
الـشـائـب , لـقـد قـدّمـوهـم لـلـمـحـاكـمـة لأنـهـم بـبـسـاطـة يـحـمـلـون
لـكـم الـحـقـيـقـة ... و قـد اكـتـشـفـت بالأمـس أن لا أحـد يـسـتـطـيـع
نـكـران هـذه الـحـقـيـقـة . الـفـقـر و الـجـوع , و الـمـرض , كـل
الأشـيـاء ضــدّنـا . نـحـن نـمـوت مـرهـَـقـيـن . و نـحـن أبـدا ً
مـعـفـّـرون بـالـوحـل و مـخـدوعـون , بـيـنـمـا يـمـص ّ الاّخـرون
كـل الـفـرح و الـفـوائـد حـتـى الـتـخـمـة , و يـقـيــّـدونـا فـي الـجـهـل
و فـي الـخـوف إلـى الأبــد .. حـيـاتـنـا أشـبـه بـلـيـل ٍ طــويــل ٍ مـظـلـم )
حـيـن تـجـد أمــّنـا الأرض هـذا الـولـد الـثـائـر الـشـريـف . سـتـقـف
لــتـدافـع عـنـه .. كـمـا دافـعـت عـن الـقــسـّـام يـومـا و كـمـا دافـعـت
عـن الـخـطـّـابـي و عـمـر الـمـخـتـار و سـلـطـان الأطرش و صـالح العلي
و كـمـا دافـعـت فـي الـسـنـة الـمـاضـيـة عـن حـسـن نـصـر الله و أخـوتـه .
و كـمـا لا زالـت تـذكـر سـبـارتـاكـوس بالـخـيـر رغـم مـرور اّلاف الـسـنـيـن .
ــ إلـى أن نـلـتـقـي عـلـى مـوجـة مـا .. فـي مـوت مـا .. فـي بـحـر مـا ..
أو فـي ثـورة مـا .. و فـي كـلـمـات أم ّ مـا .. أســتـودعـكـم كـل مـا أمـلـك
مـن عـبـوديـة لـسـيـدي الـزعـيـم و أبـنـائـه ... و كـلابـه .
جـو غـانـم










